top of page

وطنية على المحك

ولادتي لم تكن في أحضان الوطن، بل شاءت الأقدار أن أولد في بلدٍ اقترن بكرة القدم اقتران الشهيق والزفير. دولة قطر التي احتضنت كأس العالم، وكأس آسيا، وبطولاتٍ شتى، تعود اليوم لتستقبل كأس العرب، وقد باتت نهايته على الأبواب. وسط هذا الزخم العالمي، بدا من المستحيل التواري عن الحدث. امتلأت منصات التواصل بالتحليلات الرياضية، والاحتفالات الجماعية، وحتى النزاعات التي أعادت إحياء انقسامات قديمة تحت غطاء المنافسة.


لم أكن يومًا من المهتمين بكرة القدم، وحاولت، كعادتي، الاستمرار في روتيني اليومي دون تشتيت. في نهاية المطاف، لست سوى طالبة جامعية تسعى لإنهاء فصلها الدراسي بأقل الخسائر الممكنة. غير أن هذا الهدف سرعان ما بدا بعيد المنال؛ إذ تهاوت الجدران التي احتميت خلفها، وتدفقت الأسئلة من الأصدقاء والأقارب: من ستشجعين؟ لمن تريدين الكأس؟ من تتمنين

إقصاءه؟


ارتبكت. لست محللة رياضية ولا متابعة شغوفة، ولا أملك إجابات جاهزة، سوى قناعة واحدة فرضت نفسها: الكأس أردني. عندها شعرت أن وطنيتي موضع اختبار، وأن الصمت لم يعد خيارًا. ومع توالي المباريات وإقصاء الفرق الواحد تلو الآخر، ومنها فلسطين وسوريا، بات الأمل معقودًا على المنتخب الأردني. ولست منحازة إلى الأردن لمجرد جواز سفري، بل لأن ارتباطها بالثورة العربية الكبرى يجعلها في عيني رمزًا لفكرة العروبة نفسها. فهل يجعلها ذلك أحق بالكأس؟ ليس بالضرورة، لكنه ربما يمنح العروبة فرصة لاستعادة شيء من معناها في زمنٍ يتبرأ فيه الكثيرون منها.


غير أن البطولة لم تطرح سؤال الانتماء الرياضي فحسب، بل أعادت إلى السطح تساؤلات أعمق. منذ متى أصبحت كلمات مثل "برطنت" و"بلجكت" جزءًا من قاموسنا اليومي، تُستخدم بسخرية خفيفة ومعانٍ ثقيلة؟ سرعان ما أدركت أن "بلجكت" ارتبطت بالهوية الفلسطينية، في حين ارتبطت "برطنت" مباشرة بالهوية الأردنية. وبعد بحث واستقصاء، تبيّن أن أكثر الروايات تداولًا تعود إلى أحداث أيلول الأسود عام 1970، حين اندلعت الاشتباكات المسلحة في الأردن بين الجيش الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية داخل المدن، ولا سيما عمّان. وبسبب التشابه الشكلي بين الأردنيين والفلسطينيين، تعذّر التفريق بين الضحايا، ويُروى أن ملصقات الملابس والأحذية التي تحمل عبارة «صُنع في بلجيكا»، وهي دولة كانت من أبرز الداعمين الإنسانيين للفلسطينيين منذ نكبة 1948، كانت تُستخدم كعلامة تمييز. ومن هنا نشأ استخدام مصطلح "بلجيكي" في الأردن كإشارة مستترة إلى الأصل الفلسطيني.


لم يكن “البلجيكي” إذن توصيفًا أجنبيًا بقدر ما كان هويةً مُقنّعة، وُلِدت من لحظة انقسام عربي داخلي. وعلى النقيض، يحضر “البريطاني” في وعينا الجمعي بوصفه رمزًا لهيمنة خارجية، استعمارية، أعادت تشكيل المنطقة وحدودها، وصاغت كثيرًا من خطاب العروبة نفسه. وبين "بلجيكي" و"بريطاني"، بدا لي أن العروبة لم تُعرَّف دائمًا بذاتها، بل كثيرًا ما قُدِّمت عبر الآخر: مرةً كهوية يُخشى التصريح بها، ومرةً كفكرة صاغها من لم يكن عربيًا أصلًا.


لكن كأس العرب أعادني إلى سؤال أوسع: ما معنى الهوية العربية أصلًا؟ العروبة مفهوم تتعدد تأويلاته، ويختلف من شخص إلى آخر. أستحضر هنا سؤالي لوالدتي عقب تأهل المنتخب المغربي لنصف النهائي في كأس العالم 2022، حين تساءلت: لماذا ينكر بعض المغاربة عروبتهم بينما نصرّ نحن عليها؟ ما معنى أن تكون عربيًا؟ أجابتني ببساطة: "العروبة لسان". اقتنعت للحظة، ثم راودني سؤال آخر: هل لورنس العرب عربي؟ وهل يكفي تعلم لغة الضاد لاكتساب العروبة؟

مباراة تلو الأخرى، تكشفت لي تعقيدات هذا المفهوم. عندما تخدم المصالح، تصبح "العروبة" مصدر فخر واعتزاز، وحين تتعارض مع استثنائية الحدث، يصبح من الواجب تصحيح الآخر أو نفيه. في حياتي، صادفت لبنانيين يقولون: لسنا عربًا، نحن فينيقيون. ومغاربة يؤكدون: لسنا عربًا، نحن أمازيغ. ومصريين وسودانيين يرددون المعنى ذاته بصيغ مختلفة. لماذا نعيش في زمن يتبرأ فيه الناس من العروبة؟


لم أعد أملك إجابة واضحة، لكنني متيقنة من أمر واحد: الكأس عربي، والمنتخبات تتنافس على لقبٍ واحد، بينما تبقى الهوية سؤالًا مفتوحًا، أكبر من مباراة، وأعمق من بطولة.



bottom of page